ابن قتيبة الدينوري
192
تأويل مشكل القرآن
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا يقول : لما طلعت الشمس دلت عليه وعلى معناه . وكلّ الأشياء تعرف بأضدادها ، فلولا الشمس ما عرف الظل ، ولولا النور ما عرفت الظلمة ، ولولا الحق ما عرف الباطل . وهكذا سائر الألوان والطّعوم ، قال اللّه عزّ وجل : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 ) [ الذاريات : 49 ] يريد به ضدين : ذكرا وأنثى ، وأسود وأبيض ، وحلوا وحامضا ، وأشباه ذلك . ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً يعني الظّل الممدود بعد غروب الشمس ، وذلك أنّ الشمس إذا غربت عاد الظل الممدود ، وذلك وقت قبضه . وقوله : قَبْضاً يَسِيراً أي : خفيا ، لأن الظل بعد غروب الشمس لا يذهب كلّه دفعة واحدة ، ولا يقبل الظلام كلّه جملة ، وإنما يقبض اللّه جلّ وعزّ ذلك الظل قبضا خفيّا شيئا بعد شيء ، ويعقب كلّ جزء منه يقبضه بجزء من سواد الليل حتى يذهب كلّه . فدلّ اللّه عزّ وجل بهذا الوصف على قدرته ولطفه في معاقبته بين الشمس والظل والليل ، لمصالح عباده وبلاده . وبعضهم يجعل قبض الظل عند نسخ الشمس إياه ، ويجعل قوله قَبْضاً يَسِيراً أي : سهلا خفيفا عليه . وهو وجه ، غير أن التفسير الأول أجمع للمعاني وأشبه بما أراد . في سورة يس وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 40 ) [ يس : 38 ] . قوله : تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها أي : إلى مستقر لها ، كما تقول : هو يجري لغايته وإلى غايته . ومستقرّها : أقصى منازلها في الغروب ، وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع ، فذلك مستقرها لأنها لا تجاوزه . وقرأ بعض السلف : والشمس تجري لا مستقر لها والمعنى أنها لا تقف ، ولا تستقر ، ولكنها جارية أبدا . وقوله : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ يريد : أنه ينزل كل ليلة منزلا ، ومنازله ثمانية